محمد حسين علي الصغير

58

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

والقوام بانا ، والحلم طودا ، لافتراع الغصن استقامة ، ورشاقة البان طولا ، ورسوخ الطود ثباتا . فجاء النقل متساوقا في مناسبته مع المعاني الجديدة دون النبو عنها في شيء . والطريف عند عبد القاهر أن يعود ليؤكد المناسبة القائمة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق المجاز ، متناولا قضية الوضع الحقيقي ، وتجاوزه إلى المعنى الثانوي المستجد في المجاز ، فيقول : « وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول ، فهي مجاز ، وإن شئت قلت : كل كلمة جزت بها . ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها ، فهي مجاز » « 1 » . وهذا التعقيب لرأي عبد القاهر في الموضوع ليس عبثا ، بل منطلق من اعتبار عبد القاهر مرجعا في هذا الفن ، ومصدرا من مصادر التفريق بين الجزئيات المتقاربة في الحدود والتعريفات ومتمرسا في اكتشاف ما بين الأصول والفروع من أواصر وصلات . ومن هنا يبدو أن التقرير اللغوي متحدر من التبادر الذهني للفظ المجاز ، وأن التحديد الاصطلاحي له نابع من الأصل اللغوي ، وذلك فيما وضعه أبو يعقوب السكاكي ( ت : 626 ه ) موضع القانون الذي لا يعدل ولا يناقش ، فيقول : « المجاز هنا هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناه في ذلك النوع » « 2 » . وهذا التحديد - كما تراه - لا يخلو من بعد منطقي في التعبير ، وأثر علم المنطق واضح في تخريجات السكاكي في هذا وسواه .

--> ( 1 ) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 325 . ( 2 ) السكاكي ، مفتاح العلوم : 170 .